ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

97

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

الفصل التاسع في الفروق قال الغزالي : الفرق بين الرجاء والأمنية : أن الرجاء أن يكون على أصل والتمني لا يكون على أصل ، مثاله من زرع واجتهد وجمع بيدرا « 1 » ثم يقول : أرجو أن يحصل منه مائة قفيز فذلك منه رجاء ، وآخر لا يزرع زرعا ولا يعمل يوما قد ذهب ونام وأغفل سنته ، فإذا جاء وقت البيادر يقول : أرجو أن يحصل لي مائة قفيز ، فيقال له : من أين لك هذه الأمنية التي لا أصل لها ؟ فكذلك العبد إذا اجتهد في عبادة اللّه ( تعالى ) والانتهاء عن معاصيه ، يقول : أرجو أن يقبل اللّه هذا اليسير ، ويتم هذا التقصير ، ويعظم الثواب فهذا رجاء منه ، وأما إذا أغفل وترك الطاعات وارتكب المعاصي ولم يبال بسخط اللّه ورضاه ووعده ووعيده ثم أخذ يقول : أرجو من اللّه الجنة والنجاة من النار ، فذلك منه أمنية لا حاصل لها سماه رجاء وحسن الظن خطاء منه وجهلا . قال بعضهم : رأيت أبا ميسرة العابد وقد بدت أضلاعه من الاجتهاد ، فقلت : يرحمك اللّه إن رحمة اللّه واسعة ، فغضب فقال : هل رأيت ما يدل على القنوط ، إن رحمة اللّه قريب من المحسنين ، فأبكاني واللّه كلامه . ولينظر العاقل إلى حال الرسل والأبدال والأولياء واجتهادهم في الطاعات وصرفهم العمر في العبادات لا يفترون عنها ليلا ولا نهارا ، أما كان لهم حسن الظن باللّه بلى واللّه إنهم كانوا أعلم بسعة رحمة اللّه وأحسن ظنّا بجوده من كل ظان ، ولكن علموا أن ذلك بدون الجد والاجتهاد أمنية محضة وغرور بحت فاجتهدوا أنفسهم في العبادة والطاعة ليتحقق لهم الرجاء الذي هو من أحسن البضاعة . وقال بعض العارفين : تشاغل قوم بدنياهم * وقوم تخلوا بمولاهم فألزمهم باب رضوانه * وعن سائر الخلق أغناهم

--> ( 1 ) - البيدر : مجمع الطعام حيث يداس .